ما خطورة مادة الـ”غليفوسات” التي ألقتها طائرات الاحتلال في لبنان؟

plane o scaled

وزارتا الزراعة والبيئة تعلنان أن نتائج التحاليل أظهرت أن المادة التي رشتها طائرات الاحتلال في جنوب لبنان هي مبيد”غليفوسات”، الذي يسفر عن تضرر الغطاء النباتي، ووزير الزراعة يؤكد أن”من شأنها أن تحوّل الأراضي إلى غير قابلة للزراعة مجدداً”.. فما هو هذا المبيد؟

 

أرخى “العدوان البيئي”، الذي نفذّته طائرات الاحتلال على جنوب لبنان بظلاله على المشهد العام، فرميّ “الطائرات الزراعية” مواداً كيميائية سامة فوق الأشجار والمزروعات، يعتبر حلقة من حلقات الجرائم الإسرائيلية، التي يرتكبها العدو في لبنان.

وإذا كانت هذه الانتهاكات واحدة من سلسلة تنهض شاهداً على الإجرام، الذي مورس في فلسطين ولبنان وسوريا، وغيرهما على مدى العقود الماضية، فإن استخدام “النابالم” الحارق المحرّم دولياً ضد المدنيين، لم يُمحَ من ذاكرة الفلسطينيين في القرن المنصرم، وهو الذي استخدمته الولايات المتحدة “للمرة الأخيرة”، كما اعلنت، في حربها على العراق.

في العدوان الأخير على لبنان غزة، أفرغت الطائرات الإسرائيلية كل ما أنتجته من المصانع الأميركية من صواريخ وقنابل فوسفورية و، لتدمير الحجر والبشر، ووحشية الاحتلال الإسرائيلي كانت دافعه لالقاء قنابل فتاكة ومحرمة دولياً قد تصل إلى حد “إذابة الأجساد”.

الوثائق و التقارير الفلسطينية واللبنانية  وحتى الأممية الصادرة عن أعلى منبر، تشهد على عدوانٍ مستمر لا يأبه لقرارات ولا لمجتمع دولي، ويضرب بعرض الحائط كل القيّم والأخلاق الإنسانية.

 

“طائرة سموم” في وضح النهار

في حمأة الاعتداءات اليومية على لبنان، ضجّت وسائل الإعلام والتواصل بمشهد “طائرة زراعية إسرائيلية” تلقي سموماً بيئية فوق بلدة عيتا الشعب الجنوبية، ورغم وجود قوات “اليونيفل”، والجيش اللبناني إلاّ أن الاحتلال لا يعير لهذا أي اهتمام.

بيان لـ”اليونيفيل” كان واضحاً حول نثر المادة الكيمائية قائلاً  إن “هذا النشاط غير مقبول ومخالف لقرار مجلس الأمن الدولي 1701، وتأكيده “أنها ليست المرة الأولى التي يسقط فيها “الجيش” الإسرائيلي مواد كيميائية مجهولة من طائراته فوق لبنان”.

 

 

لكن المشهد كان مستفزاً هذه المرة، و في وضح النهار، وعلى أعين الأمم والملاً والعالم.. الأمر الذي حدا بالرئيس اللبناني جوزاف عون إلى وصفه بـ”عمل عدواني ينتهك السيادة وجريمة بيئية”، وذلك وسط إدانات واسعة لقيام الاحتلال الإسرائيلي برشّ مبيدات السامة على أراضٍ في الجنوب.

وزير الزراعة: النتائج أظهرت استخدام الاحتلال مبيدات عشبية سامة

الميادين نت واكب جهود وزير الزراعة نزار هاني في مضمار متابعة وزارته ومهندسيها الحثيث للقضية، وهو أوضح  أن الوزارة تسلّمت 4 عيّنات (تربة، عشب، أوراق شجر)، مع التوجّه لتسلّم عينات إضافية من مواقع مختلفة، مشيراً إلى نقل جميع العيّنات إلى مختبرات متخصصة في بيروت لإجراء الفحوص العلمية اللازمة، وإرسال عينات إضافية إلى مختبر معترف به من الاتحاد الأوروبي في اليونان.

ولفت إلى أن الفرق التقنية تدرس فرضيات علمية عدّة، من بينها احتمال استخدام مبيدات عشبية شديدة التأثير تؤدي إلى القضاء على الغطاء النباتي بالكامل.

 تأثير كبير على الثروة النباتية والمياه

وبالفعل فقد عقّب في حديث خاص بالميادين عبر “اللبنانية” أن “النتائج أظهرت استخدام الاحتلال مبيدات عشبية سامة بتركيزٍ عال في قرى الجنوب”، موضحاً أن “المبيدات العشبية التي استخدمها الاحتلال تترك تأثيراً كبيراً على الثروة النباتية والمياه”.

وحذّر الوزير الخبير بالشأن الزراعي على مدى أعوام من أن “المبيدات العشبية من شأنها أن تحول الأراضي إلى أراض غير قابلة للزراعة مجدداً”.

وعلى نفس المنوال، كان اهتمام وزيرة البيئة تمارا الزين، التي طلبت في اتصال مع قائد الجيش العماد رودولف هيكل، الحصول على عيّنات من عدّة مواقع في بلدة عيتا_الشعب، حيث قام الاحتلال برشّ مواد يُشتبه بأنها “مبيدات”، وذلك بهدف تحليلها ومعرفة طبيعتها.

 

بيان وزاري مشترك: تداعيات مباشرة لـ (Glyphosate)

وفي إطار العمل الدؤوب، أعلنت وزارتا الزراعة والبيئة أنّه، و”بالتنسيق الكامل مع الجيش اللبناني وقوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، تابعتا حادثة قيام طائرات إسرائيلية برشّ مواد كيميائية فوق عدد من المناطق الجنوبية اللبنانية، في خرق فاضح للسيادة الوطنية وعلى مرأى المجتمع الدولي”.
ونشرت وزير البيئة البيان على صفحتها وفيه أنه “وعلى الفور، باشرت الفرق الفنية المختصة أعمال الكشف الميداني وجمع العينات من المواقع المتأثرة، ضمن مسارٍ علميّ رسميّ لتحديد طبيعة المواد المستخدمة وتقييم آثارها البيئية والزراعية والصحية”.

4465c413 5437 4adb 8e63 6a21c684709b

وخلص البيان المشترك إلى أن نتائج التحاليل المخبرية أظهرت أن “المادة المرشوشة هي مبيد الأعشاب “غليفوسات” (Glyphosate)، ما سيؤدي إلى تضرر الغطاء النباتي في المناطق المستهدفة، مع تداعيات مباشرة على الإنتاج الزراعي وخصوبة التربة والتوازن البيئي، حيث تبيّن في بعض العيّنات نسب تركيز تتراوح بين 20 و 30 ضعفاً مقارنة بالنسب المعتادة”.

” عمل عدائي خطير”

وتؤكد الوزارتان أن “رشّ مواد كيميائية من طائرات عسكرية فوق الأراضي اللبنانية يشكّل عملاً عدائياً خطيراً يهدد الأمن الغذائي، ويعرّض الموارد الطبيعية لأضرار جسيمة، ويضرب سبل عيش المزارعين، فضلاً عمّا يحمله من مخاطر صحية وبيئية محتملة قد تطال المياه والتربة والسلسلة الغذائية”،

وفي موازاة ذلك، تُواصل الفرق المختصة تنفيذ مسوحات ميدانية موسّعة تشمل التربة والمياه والنباتات، بهدف إعداد خريطة دقيقة للمناطق المتضررة وتقدير مستويات التلوث، تمهيداً لاتخاذ الإجراءات الوقائية العاجلة ووضع التوصيات اللازمة لحماية السكان والمزارعين.

لـ “تجنّب ملامسة المزروعات المتضررة”

ودعت الوزارات المعنية المواطنين والمزارعين في المناطق المعنية إلى توخّي الحيطة، وتجنّب ملامسة المزروعات المتضررة أو استخدام المياه في المواقع المشتبه بتعرّضها للرش إلى حين صدور الإرشادات الرسمية، على أن يتم إطلاع الرأي العام بشفافية على نتائج التقييمات تباعاً.
وعلى الصعيد الأكاديمي، أكدت نقابة الكيميائيين في لبنان بدورها، أن “هذا الفعل لا يشكّل خرقاً للسيادة اللبنانية فحسب، بل يمثل جريمة بيئية وكيميائية موصوفة ذات أبعاد تدميرية طويلة الأمد.بناءً على المعطيات الكيميائية والبيئية”.

d1377b6e c436 474e acde 7711753dadbc

ما هي مادة “الغليفوسات”؟

الغليفوسات في تعريف علمي، هو مبيد أعشاب. يُستخدم على أوراق النباتات للقضاء على كلٍ من الأعشاب عريضة الأوراق والنجيليات.

سُجّل لأول مرة للاستخدام في الولايات المتحدة عام 1974، وتتزايد المخاوف باستمرار من أن “الغليفوسات”، في حال استخدامه بشكلٍ غير رشيد، قد يُسبب آثاراً سلبية على الكائنات غير المستهدفة في النظم الزراعية.

وتتميز خصائصه البيئية، مثل عدم تحرّكه في التربة، وسرعة تعطيله، وتحلله الحيوي فيها، بخصائص استثنائية إذا استخدم بتركيزٍ عالٍ كما فعلت قوات الاحتلال في جنوب لبنان.

b169f465 fe02 43d2 b2a9 d49c83a43a1c

يُثير “الغليفوسات”  جدلاً متزايداً، كما أظهرت دراسة (un ep) الدولية مع تراكم الأدلة على أنه قد يؤدي إلى مجموعة واسعة من الآثار الصحية والبيئية.

وقد حظرت دول بالفعل استخدام “الغليفوسات”، وتدرس دول أخرى اتخاذ الخطوة نفسها. وتُبيّن هذه الدراسة الاستشرافية وجود طرق بديلة يمكن أن تُساعد على تجنب استخدام الغليفوسات، فضلًا عن مواد كيميائية ضارة أخرى، للقضاء على الأعشاب الضارة.

وقد أظهرت دراسات آلية العمل أن الغليفوسات يقتل النباتات عن طريق تثبيط إنزيم 5-إينول (5-enolpyrophyll ) بيروفيل شيكيمات-3 (shikimate-3) فوسفات سينثاز (phosphate synthase)، المشارك في التخليق الحيوي للمركبات العطرية.

 

جدل حول “سرطنتها”..

من جهتها، خلصت الوكالة الأوروبية للمواد الكيميائية (ECHA)  والهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية (EFSA) إلى أن مادة الغليفوسات ليست مسرطنة (أي ليس لديها القدرة على التسبب في السرطان )، على الرغم من أن الوكالة الدولية لأبحاث السرطان (IARC) صنّفتها على أنها “مسرطّنة على الأرجح” مع أدلة محدودة على البشر، وذلك فقط كتقييم للمخاطر ، وليس كمخاطر الاستخدام الفعلي .

 

“مبيد أعشاب نادر الحدوث”

وكثيراً ما يُطلق على “الغليفوسات” لقب “مبيد أعشاب نادر الحدوث” نظراً لتأثيره الهائل على مكافحة الأعشاب وصناعة إنتاج المحاصيل.

ورغم أنه يتحلل بسرعة نسبياً في التربة بعد استخدامه، إلا أن الغليفوسات ومستقلباته قد تبقى في التربة والمياه وأنسجة النباتات في ظروف معينة.

9f150ac6 d49f 4ed0 97df 543335634cb2

وتشير الأبحاث إلى أن “الغليفوسات” قد يصل إلى المياه الجوفية والسطحية، والعديد من المواقع الأخرى غير المستهدفة، من خلال عمليات مثل الترشيح والجريان السطحي.

كما يتضح من عدة دراسات أنه قد يصل إلى مناطق وأنسجة نباتية غير مقصودة من خلال عمليات مثل انتقال مبيد الأعشاب خارج الهدف، وانجراف الرذاذ، وامتصاص الجذور. وفي حين أن تعرض المحاصيل للغليفوسات بهذه الطريقة يُعتبر غير قاتل، فمن الحكمة فهم الآثار المترتبة على ذلك على صحة المحاصيل وقيمتها الغذائية.

المصدر: المياديين