هدى شديد: مسيرة إعلامية استثنائية ونضال في وجه المرض

رحلت الإعلامية اللبنانية هدى شديد، تاركة وراءها إرثًا صحفيًا غنيًا وشخصية استثنائية جمعت بين المهنية العالية، الجرأة، والإنسانية. لم تكن مجرد مراسلة ميدانية أو صوتًا ينقل الأخبار، بل كانت نموذجًا للصحافة المسؤولة، حيث ارتبط اسمها بالحقيقة، الدقة، والمصداقية في العمل الإعلامي.

البداية والمسيرة المهنية

ولدت هدى شديد في بلدة كفريا – زغرتا، ونشأت في بيئة عائلية تقدّر العلم والقيم الروحية. درست في جامعة القديس يوسف، حيث تخصصت في العلوم السياسية، مما مهد لها الطريق للانخراط في مجال الصحافة. بدأت مسيرتها الإعلامية في جريدة “النهار” وإذاعة “صوت لبنان”، حيث تميزت بأسلوبها الدقيق والمباشر في نقل الأخبار.

انطلاقتها الأبرز كانت مع المؤسسة اللبنانية للإرسال (LBCI)، حيث أصبحت واحدة من أبرز المراسلات الميدانيات في لبنان. على مدى أكثر من ثلاثين عامًا، غطّت هدى شديد أحداثًا سياسية وأمنية كبرى، وكانت مراسلة معتمدة في القصر الجمهوري في بعبدا، حيث نقلت أبرز المحطات السياسية من داخل أروقة السلطة.

الاحترافية والتميّز

عرفت هدى شديد بأسلوبها التحليلي العميق، وحرصها على تقديم المعلومة بموضوعية بعيدًا عن التحيّز والانحياز السياسي. كانت تؤمن بأن الصحفي مسؤول أمام الجمهور عن كل كلمة ينطق بها، ولذلك عُرفت بدقتها الفائقة وتقصّيها للحقائق قبل نشرها. لم تكن تخشى مواجهة السياسيين بالأسئلة الصعبة، ولم تكن تسعى إلى الإثارة بقدر ما كانت تهدف إلى تقديم صحافة استقصائية جادة.

معركة مع المرض وصمود لا يُكسر

إلى جانب مسيرتها المهنية، خاضت هدى شديد معركة شرسة مع مرض السرطان، حيث واجهته بشجاعة وإيمان عميقين. لم تستسلم له، بل حولت تجربتها إلى مصدر إلهام للكثيرين. وثّقت رحلتها مع المرض في كتابها “ليس بالدواء وحده”، حيث روت فيه كيف استطاعت التغلّب على المرض بقوة العزيمة والإيمان.

لكن المرض عاد إليها مرة أخرى، فواجهته بنفس القوة التي عرفها بها جمهورها. استمرت في العمل رغم الألم، وظهرت على الشاشات مبتسمة، قوية، مؤمنة بأن الحياة تستحق النضال حتى اللحظة الأخيرة.

تكريم في الحياة ووداع مهيب

قبل رحيلها بأيام قليلة، حظيت هدى شديد بتكريم استثنائي من رئيس الجمهورية العماد جوزف عون في قصر بعبدا. كان الاحتفال مليئًا بالعاطفة، حيث أثنى الرئيس على مسيرتها المهنية الحافلة، وكرّمها بوسام تقدير، تقديرًا لمساهماتها في الإعلام اللبناني.

في كنيسة مار جرجس وسط بيروت، اجتمع الصحفيون، الأصدقاء، والعائلة لوداعها، حيث أقيمت صلاة الجنازة وسط مشاعر الحزن العميق. حملت زغرتا جسد ابنتها إلى مثواها الأخير في بلدتها كفريا، حيث ووريت الثرى وسط حضور كبير من محبيها وزملائها.

إرث لا يموت

قد يكون جسد هدى شديد قد غاب، لكن صوتها، إرثها، وتأثيرها في عالم الصحافة سيبقى خالدًا. صنعت اسمها بعرق جبينها، وكتبت قصتها بكلمات من نور في سجل الإعلام اللبناني. كانت هدى حيثما وُجدت الحقيقة، وستبقى الحقيقة مقرونة باسمها إلى الأبد.