زياد الرحباني… الإيقاع الذي كتب وجه لبنان الحقيقي، والموسيقى الناطقة باسم المقهورين

زياد الرحباني

بشوفك- فرح زهرالدين

“بالنسبة لبكرا شو؟ ” قد تكون مجرد عبارة من مسرحية، لكنها عند زياد الرحباني كانت سؤال وجودي بصوت الشعب، في بلد تتبدل فيه الأسئلة ولا تأتي الإجابات، وقف زياد الرحباني يُغني، يكتب، ويُمثل وكأنه يدوّن نبض الناس المقهورين… من دون صراخ، من دون إدعاء، فقط بصدق لا يشبه إلا نفسه.
في زمن كثُر فيه الكذب والتمثيل والخداع، وفي بلد يُتقن التناقض، ويُتقن شعبه الصبر والتأقلم، في جمهورية لم تتعمر يوما ولم تتدمر بالكامل… في لبنان، وُلد صوت لم يشبه أحد… زياد الرحباني، الملحن والكاتب المسرحي والممثل الذي لم يكن مجرد فنان، بل مرآة تشبه وجوه الناس العاديين والناطق باسمهم، زياد الذي حول المسرح الى شارع يتناول فيه قضايا البلد ومعاناة الناس، والبيانو الى وسيلة اعتراف، وكل نوتة بموسيقاه كانت محمّلة بسخرية مرّة، وحنين مكسور، وكأنه  يجسّد حياة اللبنانيّون، الذين على الرغم من كل المآسي، مازالوا يتشبّثون بالحياة… ويضحكون.

توفي الفنان زياد الرحباني عن عمر يناهز 69 عاما، يوم السبت 26- ايلول- 2025، بعد صراع مع المرض، وبعد مسيرة فنية تركت بصمة عميقة في قلوب الأجيال.

من هو زياد الرحباني؟

وُلد زياد الرحباني وترعرع في بيتٍ يعج بالفن والإبداع، هو نجل الفنان عاصي الرحباني، أحد قطبي “الأخوين رحباني” الشهيرين، والسيدة نهاد حداد سفيرة الفنانين العرب المعروفة ب “فيروز”. هذه النشأة الفنية العريقة لم تكن سوى نقطة انطلاق لمسيرة زياد الخاصة الذي فضّل أن يحكي لغته، وصوته هو، الذي يشبهه ويعبرعنه، لا بصدى من سبقوه.

مسيرته الفنية:

تنوعت أعمال زياد بين التأليف الموسيقي والعزف والكتابة المسرحية والتمثيل وبدأ رحلته الفنية في سن مبكرة جدًا، ففي السابعة عشرة من عمره فقط، لحّن أول أغنية لوالدته فيروز، إيذانًا ببدء فصل جديد في الموسيقى العربية. تميّز أسلوبه الموسيقي بجرأة فريدة، حيث نجح في المزج بين المقامات العربية الأصيلة وموسيقى الجاز العالمية، ليصبح رائدًا في هذا الدمج الذي أضاف نكهة جديدة ومبتكرة للأغنية اللبنانية.

لم يقتصر إبداع زياد الرحباني على الموسيقى فقط، بل امتد ليلامس عالم المسرح والكتابة، فكان مؤلفًا ومخرجًا قديرًا، استخدم خشبة المسرح منبرًا لتناول القضايا السياسية والاجتماعية بأسلوب ساخر ونقدي لاذع.

أبرز أعماله:

من أبرز مسرحياته التي حفرت في الذاكرة اللبنانية والعربية:  “سهرية، نزل السرور، بالنسبة لبكرا شو، فيلم أميركي طويل، بخصوص الكرامة والشعب العنيد، و“لولا فسحة الأمل”. كل واحدة من هذه الأعمال كانت مرآة عاكسة للواقع اللبناني، كاشفةً عيوبه وموجهةً سهام النقد للسلطة والطائفية والفساد.

وبصماته الموسيقية مع والدته فيروز لا تُحصى، فقد أهدى صوتها العذب ألحانًا خالدة رسخت في أذهان وقلوب الملايين، مثل سألوني الناس الأغنية الأولى التى لحنها زياد الرحباني لوالدته، كيفك إنت، البوسطة، وغيرها…،  كما غنى زياد بصوته الخاص العديد من الأغاني التي لا تقل أهمية وتعبيرًا، منها: “أنا مش كافر، عايشة وحدة بلاك، وشو هالإيام”.

على مر مسيرته الفنية الحافلة، حظي زياد الرحباني بالعديد من الجوائز والتكريمات تقديرًا لمجمل أعماله التي أثرت المشهد الفني والثقافي.

ورغم رحيله، ستبقى أعمال زياد الرحباني ومواقفه الجريئة منارة للأجيال القادمة، فهو لم يكن مجرد فنان متعدد المواهب، بل كان ضميرًا حيًا لوطنه وشعبه، ترك خلفه إرثًا فنيًا وفكريًا غنيًا لا يمحوه الزمن.
زياد الرحباني … بلا ولا شي أحببناك … وذكراك خالدة في قلوبنا…
وداعًا لأيقونة الفن والنقد الساخر… وداعاً زياد الرحباني.