تبدأ القصة منذ الطفولة، حيث تحمل كلمة “لا” تبعات كبيرة تؤثر حتى على حياة الراشدين في المجتمع. فكثيرًا ما يجد الإنسان نفسه في مواقف لم يكن يرغب فيها، أو تحت ضغوط لم يكن مستعدًا لها، بسبب كلمة واحدة: “نعم”. ورغم أن الموافقة تُعدّ في ظاهرها إيجابية، إلا أنها قد تفتح أبوابًا لمسؤوليات والتزامات غير مرغوبة، ما يؤدي إلى الإرهاق والاستنزاف العاطفي.
متى نقول “لا”؟
تقول الأخصائية في التواصل اللاعنفي، تانيا عوض غرة، إن التربية تلعب دورًا أساسيًا في تشكيل مفهوم الرفض. فمنذ الصغر، يتم تحفيز الأطفال على قول “نعم” لاكتساب المحبة والقبول الاجتماعي، ما يجعلهم يربطون الحب بطاعة الأوامر. لهذا، ينصح التربويون الأهل بتوضيح محبتهم لأطفالهم حتى عند رفضهم لبعض الطلبات، ليتمكن الطفل من قول “لا” دون الشعور بالذنب أو الخوف من فقدان الحب.
وعند البلوغ، يواجه العديد من الأشخاص صعوبة في الرفض، بسبب رغبتهم في إرضاء الآخرين أو الخوف من ردود الفعل السلبية. إلا أن قول “لا” هو وسيلة أساسية لاكتشاف الذات والحفاظ على الاستقلالية الشخصية. وتشدد تانيا على أن كلمة “لا” لا تعني التمرد أو العدائية، بل هي تعبير عن رسم الحدود الشخصية بوعي واحترام.
التوازن بين “نعم” و”لا”
ترى تانيا أن الإفراط في استخدام “لا” قد يكون مؤذيًا تمامًا كما هو الحال مع الإفراط في استخدام “نعم”. فالتوازن هو المفتاح الأساسي في التعامل مع المواقف الحياتية المختلفة. ويصبح الرفض ضروريًا عندما يتعارض الطلب مع قدرات الفرد أو يضر بصحته النفسية والجسدية.
أما في بيئة العمل، فقد يكون قول “لا” أكثر تعقيدًا، نظرًا لطبيعة العلاقات المهنية بين الموظف والمدير. لذلك، يجب أن يكون الرفض مدعومًا بحجج منطقية وواضحة، حتى يكون مقبولًا. ورغم التحديات، فإن القدرة على الرفض بأسلوب لائق وذكي تحمي الفرد من الاستغلال وتساعده على الحفاظ على توازنه النفسي.
كيف تدرّب نفسك على قول “لا”؟
هناك عدة طرق لاكتساب مهارة الرفض، منها الوقوف أمام المرآة والتدرّب على قول “لا” بثقة، أو إعادة تخيل مواقف سابقة قيلت فيها “نعم” بدلاً من “لا”، والتفكير في الطريقة المناسبة للرفض دون الشعور بالذنب. كما يمكن استخدام “لا” بذكاء في المواقف الحساسة، بحيث لا تكون جارحة أو عدائية، بل تُقال بحزم واحترام.
في النهاية، فإن قول “لا” في الوقت المناسب لا يعني الأنانية، بل هو خطوة ضرورية لحماية الذات، وضمان العيش بطريقة متوازنة تحترم احتياجات الفرد ورغباته.