في ظل التَّحليق بسرعات عالية وعبور مناطق زمنية متعددة، يعيش الكابتن علي الشهري تجربة صيام مختلفة… تعرفوا عليها.

 

مع تغيّر الأوقات وتبدّل الشروق والغروب بسرعة تفوق إدراك الإنسان على الأرض، يعيش الملاحون تجربة صيام مختلفة، تعتمد على حسابات دقيقة ومعادلات فيزيائية، لضبط أوقات الإمساك والإفطار في ظل التَّحليق بسرعات عالية وعبور مناطق زمنية متعددة.

يشارك الكابتن علي الشهري، مدير أسطول طائرات «البوينغ» في «الخطوط السعودية»، تجربته الخاصة المليئة بالتحديات ويتطرق إلى كيفية تحديد أوقات الفجر والمغرب أثناء الطيران، إذ تؤثر عوامل عدة على هذه الحسابات، من بينها الارتفاع عن سطح البحر. فكلما زاد الارتفاع، زاد انكسار ضوء الشمس؛ ما يؤثر على توقيتَي الفجر والغروب. كما أن الطائرة إذا كانت متجهة إلى الشرق، يحدث الشروق مبكرًا، والعكس صحيح عند توجّهها غربًا. أيضًا، هناك سرعة الطائرة؛ فالسفر بسرعات عالية قد يجعل الشمس تغيب أو تشرق أسرع من المعتاد. وإذا أقلعت الطائرة قريبة من وقت الفجر أو المغرب، فإن الحسابات تختلف كليًّا. وأخيرًا، تاريخ الرحلة؛ فاختلاف طول النهار بين الصيف والشتاء يلعب دورًا مهمًّا في مدة الصِّيام.

ومن أجل حسم هذه التحديات، يلجأ الطيارون المسلمون إلى التكنولوجيا الحديثة؛ إذ طوّر الكابتن محمد جايل العتيبي تطبيق «Muslim Pilot»، الذي يعتمد على خوارزميات دقيقة لتحديد أوقات الصَّلوات والإفطار خلال الرحلات الجوية. يقول الكابتن الشهري: “هذا التطبيق أصبح أداةً لا غنى عنها للطيارين المسلمين حول العالم؛ إذ يمكّنهم من حساب أوقات الصلوات والإفطار بدقة متناهية، حتى في ظل التنقل بين خطوط الطول المختلفة”.

ومن خلال تجربته، أجاب الكابتن علي الشهري على مجموعة من الأسئلة، وجاءت كالتالي:

أقصر مدة للصِّيام
في الرحلات المتجهة شرقًا، خصوصًا خلال فصل الشتاء، قد يكون النهار قصيرًا جدًا. على سبيل المثال، رحلة من جدة إلى مانيلا (الفلبين)، حين تقلع الساعة 06:00 صباحًا بتوقيت السعودية، تصل إلى لحظة الغروب فوق كمبوديا بعد نحو 8 ساعات، أي نحو الساعة 14:00 بتوقيت السعودية، ما يجعل مدة الصيام قصيرة نسبيًا.

متى يكون الصِّيام مستحيلًا؟
يقول الكابتن الشهري: “في رحلات الصيف الطويلة من السعودية إلى أميركا، التي تستغرق 13 ساعة أحيانًا، قد يُقلع الطيارون بعد الفجر بخمس ساعات، ويصلون إلى أميركا بعد الظهر، ليتبقى على المغرب نحو 6 ساعات. عند حساب ذلك، قد يصل طول النهار إلى 24 ساعة، وأحيانًا أكثر؛ ما يجعل الصِّيام غير ممكن عمليًا؛ لذا يُلجأ إلى رخصة الإفطار”.

التعامل مع الظروف الصعبة
وحسب الكابتن الشهري، في بعض الحالات، قد تُصادف الطائرة سحبًا كثيفة تحجب رؤية الشمس؛ ما يجعل تحديد أوقات الفجر أو الغروب صعبًا. في هذه الحالات، يعتمد الطيارون على تطبيق «Muslim Pilot»، كما يتبعون قاعدة الاحتياط الشرعي بتقديم وقت الإمساك وتأخير الإفطار؛ لضمان صحة الصيام وفق الفتاوى الإسلامية.

بين السماء والأرض… الصِّيام في عالم متغير
في النهاية، يظل صيام الملاحين تجربة مختلفة، حيث تتداخل قوانين الفيزياء مع الأحكام الشرعية، ليصبح ضبط الوقت تحديًا يوميًا في رحلات تمتد لآلاف الكيلومترات. وفي حين يواجه الصائمون على الأرض فروقًا زمنية بسيطة، يعيش الطيارون في عالم تتبدل فيه الأوقات كل لحظة؛ ما يجعلهم في حاجة دائمة إلى العلم والدقة والتقنية، ليؤدوا عباداتهم وسط سماء لا حدود لها.

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط