بشوفك- الإعلامي الدكتور عبدالله ذبيان
يكاد القاصد لمسرح “جورج الخامس” أدونيس – ذوق مصبح، لا يجد مكاناً يركن فيه سيارته بسبب الزحمة التي يسببها تقاطر الجمهور لملاقاة الثائر الأممي “تشي غيفارا”!
حضور من كافة الأعمار، ومن جميع المناطق اللبنانية والمغتربين، تغصّ بهم ، أروقة وقاعات وأدراج وأبهاء المسرح الكلاسيكي العريق التوّاق لحضور مسرحية “أنا وغيفارا”.
الحدث المسرحي الأول
هنا صنع الأخوان فريد وماهرالصبّاغ الحدث المسرحي الأول للموسم، فكان مفاجأة عام 2025 الفنية المسرحية المتكاملة الممتدة حتى اليوم، فلم يقف الإبداع عند النص واألألحان والإخراج والإنتاج، لا بل لمع فريد وماهر كممثّليَن ومغنّيَين يتمتّعان بكاريزما وحضور نادر، ولأوّل مرّة في دورين أساسيّين كبيرين (تشي غيفارا وفيدل كاسترو).

فريد وماهر: تعدد في المواهب
زدّ على ذلك أنهما تفرّدا بالعزف على البيانو وجهًا لوجه، مقدّمَين أغنية رائعة خارج سياق العمل، باتت من تقاليد “مدرستهما الصبّاغية”!

خشبة لا تنضب..
تشدّك المشهديات المتتالية على مدى ساعة ونصف، “الكوريغرافيا” الخاصة بهذا العمل “أنا وغيفارا” كان قمة في فن تصميم وتنظيم الحركات الجسدية للممثلين أو الراقصين داخل الفضاء المسرحي، لتحويل الأفكار والمشاعر إلى تعبيرات دلالية بصرية.
“الكوريغرافيا” تتكامل مع “السينوغرافيا”!
وهنا لم تقتصر “الكوريغرافيا” الخاصة على الرقص الاستعراضي، بل شملت حركات الجسد الدرامية، والإيقاع، وتشكيل التكوينات، ما جعل الجسد أداة “سينوغرافية” رئيسية في العرض.
من دمج الديكور، الإضاءة، الملابس، والمؤثرات الصوتية إلى خلق صورة مشهدية متكاملة تترجم رؤية المخرج، وتتجاوز الديكور التقليدي لتشمل هندسة الفضاء السمعي والبصري، محولةً النص إلى واقع ملموس يحقق الجمالية.
إنتاج ضخم، ترفع له قبعات أهل الفن بجدارة، وهنا يمكن القول أن “عظمة تشي” و “فيدال”، وحتى “راوول”، قد تجلت في أبهى الحلل، مع تبسيط أنسويّ، لحياتهما الشخصية، تعكس بساطة وسجية، نجح فريد وماهر في تجسيدهما، بكلّ جدارة، ما يجعل هذا العمل منافساً حقيقياً في مسيرة المسرح اللبناني والعربي والعالمي.
هذا المسرح يذكرّنا بضخامة المسرح الرحباني، على مدارج بعلبك، وقد يشكّل تمازجاً بين المسرح الملتزم الذي يذكّر بقضية (ولو من منظور إنساني)، والمسرح الغنائي الاستعراضي الشامل.

عمل يمثّل لبنان في أكبر المهرجانات
وفعلاً، فقد هاتفتُ السيد فريد ليلاً في إثر انتهاء العمل المسرحي، قائلاً له إن هذا العرض مؤهل بجدارة كي يقدّم باسم لبنان في أكبر المهرجانات والمحافل..
بعد عقدين على انطلاقة ثورة الأخوين الصبّاغ الفنيّة بمسرحيّة “تشي غيفارا”، وما تبعها من أعمال غنائيّة ممتعة ومميّزة حملت قضايا وأسئلة وجوديّة، من مهرجانات بعلبك الدوليّة مع “من أيّام صلاح الدين” و”الطائفة 19″ و “حركة 6 أيّار” و “مش بس عالميلاد”، يعود الأخوان الصبّاغ إلى أوّل عمل قدّماه، ليعيدا كتابته برؤية جديدة بعد صقل خبرتهما في معتركات الفنّ والحياة والسياسة، وهي خبرة تقاطعت مع أحداث وحروب وأزمات مؤلمة شهدتها منطقتنا.

“اللبيب من الإشارة يفهم”!
أسقط الشقيقان الصبّاغ مشهديات العرض على ما نعيشه في لبنان والعالم العربي، لا بل وسّعا “البيكار” ليشمل قارات دول العالم على امتداد القارات، وما عبارة النجمة نادين الراسي “إيفا” في مستهل العرض قبيل الانتصار، أن “للثورة من يقطفها”! ودورها عندما تلعب “على الحبلين بين السلطة والثوار بانتظار من ينتصر، وهذا ما أفضى إلى إخراج “واقعي كما يحصل اليوم” لسقوط “باتيستا”!
حرص القيّمون على ذلك، وإن كانا قد مررّا ذلك بفطنة وذكاء، وكذلك تطرقا إلى تضحية قادة ورموز بأنفسهم في سبيل ناس لا تقدّر قيمة النضال في سبيلهم.. وهذا تجلّى في الحوار الدائم بين تشي وفيدال قبل وبعد انتصار الثورة، وأيضاً في وشاية “الراعي” لمكان وجود غيفارا في بوليفيا التي قصدها لتحريرها كواحدة من دول أميركا اللاتينية التي يحلم بتحريرها.. و”اللبيب هنا من الإشارة يفهم”!

تمثيل غنائي ولوحات راقصة ألهبت الحضور
الممثلون “أقنعوا” الجمهور بالأدوار التي جسّدوها، وبرز ظهور ثلاثيّة غنائيّة جميلة من عائلة الصبّاغ (الجيل الثاني): ماريا، جاين وسارا الصبّاغ، أمّا تنفيذ الكوريغرافيا فهو بتوقيع مدرّبة أكاديميّة الصبّاغ للفنون غبرييلا المرّ.
وشاركت نادين الراسي بأدوار رمزية متعددة، أكدت من خلالها أن “العمل يقدّم غيفارا كإنسان يحمل ضعفه وتساؤلاته”.
اللوحات الراقصة دمغت بعنصر القوة لا بل القسوة والحزم، يقتضي في بعض الأحيان حمل البعض وقلبهم على الخشبة، فالراقصون (وعلى رأسهم الشقراء التي خطفت أنظار الجمهور!) هم هنا من قوى الثورة الأقوياء الصناديد مع مواكبة من الأعلام الحمراء العملاقة بملابس عسكرية وأسلحة.
وكان الاحتفال الأكثر جذباً عندما تحقق النصر فتحولت مساحة المسرح بالكامل إلى مزيج من الشعارات الثورية ومظاهر الفرح بالحرية التي حققتها ثورة الشعب.
كارين رميا، شكّلت ومضةُ فرح ضمن الفريق ، ضمن بوتقة أحاسيس متناغمة،.فقد انسابت الكلمات من قلب ممثلة فنانة أتقنت الحوار والغناء، وقبل كل شيء التأثير في الجمهور والحضور..
يمكن القول أن الله حبا جميع الممثلين بكاريزما جميلة، لكن هالة رميا كانت من العناصر التي رصعّت العمل المسرحي بهدآت، ورفدته بروحٍ ومدّته بقبسٍ من معين ممثلة رئيسية هامة.

مسرح يليق بمسيرة 20 عاماً
حالة مسرحية تستحق الحضور والتقدير، فرضها الأخوان فريد وماهر، بمناسبة الذكرى العشرين لمسيرتهما الفنية وإقبال الجمهور والصدى الواسع لها جعل عروض “المسرح الصبّاغي” تتجدد.
والملفت في كلّ ما ورد، أن مقاربة العمل تمّت من منظور إنساني بعيد تماماً عن أي انحياز سياسي، ولا سيّما أن هذا الموضوع قد انتشر على نطاق واسع وما يزال يُقدَّم كأعمال فنية ويُوزَّع بشكل كبير في مختلف أنحاء العالم حتى يومنا هذا.
في نهاية العرض صدح نشيد “غيفارا” في أرجاء القاعة.. غنّى الجميع مستذكرين رجلاً قدّم للشعوب رمزاً و”إكسيراً” ثورياً: “سنواصل كما فعلنا معك و مع فيدال الذي نقوله إليك ،حتّى دائماً، كومماندانت”!
المجدً للفن اللبناني المبدع.. شكراً للأخوين فريد وماهر الصبّاغ.. طوبى لك “غيفارا”!
