غيب الموت يوم أمس، التاسع من نيسان، الطبيبة النسائية الدكتورة حكمت نجيب ضو، عن عمر ناهز 75 عامًا، إثر وعكة صحية طارئة استدعت تدخلاً جراحيًا عاجلاً ودخولاً إلى العناية الفائقة. وبرحيلها، يفقد الطاقم الطبي في لبنان عامة، ومنطقة الجبل خاصة، أوائل الطبيبات / الأطباء الأخصائيين في الجراحة النسائية والتوليد، وأحد أركان هذا الاختصاص.
برزت الدكتورة حكمت ضو طبيبة نسائية متخصصة في الجراحة والتوليد، في منطقة الجبل، منذ آواخر الثمانينات، في وقت ندر وجود النساء في عالم الأعمال والطب بشكل عام، والطب النسائي بشكل خاص، حيث كانت تفضل النساء الحوامل آنذاك زيارة الطبيبة النسائية على الطبيب النسائي لا سيما الملتزمات دينيًا منهن، فبعد أن كن يلجأن إلى القابلات القانونيات، أتت الدكتورة حكمت ضو حاملة التخصص والعلم. بدأت مسيرتها المهنية في مستشفى العرفان الطبي، في منطقة الشوف، وبعدها انتقلت إلى مستشفى عين وزين أو “عين وزين ميدكال فيدلدج”، حيث كانت من مؤسسي قسم الجراحة النسائية والتوليد في المستشفى والذي افتتح رسميًا في العام 1993.
ضو الطبيبة وربة العائلة والأم لولدين، لم تتوانَ يومًا عن أداء واجبها الإنساني والطبي، إذ كانت تقدس قسمها وتلبي النداء إن أتى في النهار أو الليل، إن أتى في الصيف، أو في شتاء الجبل القارس وعواصفه، وثلوجه،، حتى إنها اختارت السكن على مقربة من مستشفى عين وزين حتى لا تتأخر على مرضاها.
“أنا خلقت على إيدها”، كانت هذه العبارة الأكثر تداولًا عقب إعلان الوفاة. فبالنسبة لأهل الجبل، لم تكن ضو، طبيبة عادية، فهي الطبيبة التي مدّت يدها لجيل كامل وهو في رحم أمه، تبشره بقدومه إلى الحياة، تشهد على التقاط أنفاسه، وأول من تضع يديها على جسمه، فينكشف أمامها، قبل أن تسمع أمه صراخه، خصوصًا جيل أواخر الثمانينات، والتسعينات بأكمله، والألفين قبل أيام الدكتورة الأخيرة.
إلى جانب تخصصها، وتميزها كإمرأة في عالم الرجال، كانت الدكتورة حكمت ضو، بمثابة الأم لكل إمرأة قبل أن تصبح أمًا، ترافقها في أشهر حملها التسعة، تحتضنها، وتطمئنها، وتمدها بالدعم والحب قبل أن تولِّدَها. فهي الطبيبة التي تحمل مع كل أم همها، وتحاول أن تخفف من وهمها وثقل حِملها، لتعيش معها أكثر لحظتين متناقضتين ومتتاليتين في عالم الإنسان، آلام الولادة وسعادة الأمومة.
بعد إعلان خبر وفاتها، ضجت مواقع التواصل الاجتماعي بمئات التعليقات، من زملاء ومرضى ومحبين، ينعونها ويرثونها، يتحدثون عن إنسانيتها، عطائها، وتضحياتها، يستذكرون مواقفها، وروحها الإيجابية، بسمتها الدائمة، قوة حضورها، ووقع غيابها، ويثنون على إخلاصها، معتبرين رحيلها “خسارة كبيرة وغصة في القلب”، واصفين إياها بصاحبة الفضل والكرم، وكأن الناس ينعون أحدًا من أفراد عائلاتهم، شخص رحل من قلب البيت، شخص ربما مضى زمن لم يروه، ولكنهم لم ينسوه، وكيف ينسون شخصًا شاركهم أسمى لحظات حياتهم؟
رحلت الطبيبة المشهود لها بالكفاءة وطيب معاملتها، رحلت الشجاعة التي تحدت المعايير السائدة، وكسرت النمطية الذكورية في عالم الطب والطب النسائي، في منطقة الجبل، والتي منحت المرأة حرية اختيار الأخصائي النسائي الذي يناسبها إن كان طبيبًا أو طبيبة.
لقد كتبت العديد من المقالات، ولم يأتِ إلى ذهني يومًا أنني سأكتب عن الطبيبة التي رأتني قبل أمي وأبي، الطبيبة التي أشرفت على ولادة أحبائي وأعز رفاقي. فكانت الكتابة عنها تجربة جديدة، وإحساس مختلف، وكأنها لحظة اتصال بين نفسك ولحظة وصولك، أحن إلى شخص لقاني ولم أعه، أودعه ولم ألتقه. تمنيتُ في هذه اللحظة لو أنني زرتها يومًا سألتُ عن أحوالها، سلّمت عليها، على أول إنسانة أمسكت بيدي.
رحلت الطبيبة المؤثرة الذي لا يقاس تأثيرها فقط بعدد الأنفاس، إنما بحجم الحياة التي استقبلتنا إليها، وسهّلت على أمهاتنا مخاض الولادة، فرحلت إلى مثواها الأخير، الأم التي رافقت أمهاتنا في رحلة الأمومة. فهؤلاء هن المؤثرات الحقيقيات…
من منصة بشوفك، ندعو الله أن يتغمد الراحلة بواسع رحمته، ويسكنها فسيح جناته. وتعازينا الحارة إلى أهل الفقيدة وولديها رمزي ورشا، وكل محبيها، وندعو لهم بالصبر والسلوان.
