محمد الأيوبي
المصدر: الميادين نت
“الميادين نت” يضيء على الشاب اللبناني راي عازار، الذي يتقن تربية النحل واستخراج العسل من رحيق “المنّ” (ندوة العسل) وهو يختلف عن عسل الأزهار، ويُنتج من إفرازات الحشرات على الأشجار وليس من رحيق الزهور مباشرة.
عالم النحل شاسع وفيه الكثير من الغموض والشغف، ويكاد يكون من أكثر المجموعات الحشرية غرابةً، وعلاقته بالإنسان قديمة وتمتد على مدى العصور.
لكننا سنتحدّث في هذا التقرير عن “عسل المنّ” (أو ندوة العسل) وهو عسل ينتجه النحل من إفرازات حشرية سكرية (الندوة العسلية Honey syrup) التي تفرزها حشرات المن وحشرات قشرية أخرى تتغذى على عصارة الأشجار، وليس من رحيق الزهور.
والمنّ هي حشرات صغيرة ذات جسم رخوٍّ، تنتمي إلى فصيلة المنّيات (Aphidoidea). ويوجد أكثر من 4000 نوع موصوف من المنّ، وتوجد في بيئات متنوعة حول العالم.
يشكّل المنّ مجموعة واحدة كبيرة جداً من الحشرات: فصيلة المنّيات (Aphidoidea)، التي تنتمي إلى رتبة نصفيات الأجنحة (Hemiptera ).
🪲 Not only do pesky Aphids feed on plant’s nutrients, but they leave behind honeydew on leaves and fruit. This can cause sooty mold and issues with photosynthesis.
Combat #Aphids with proven biological control systems from @biobest_global. Contact a rep for more information! pic.twitter.com/wuTtXxUrCf
— Plant Products (@ProductsPlant) January 28, 2026
يتميز عسل المنّ بلونه الداكن، لزُوجته العالية، نكهته القوية، وفوائده الصحية العالية كونه مضاداً للبكتيريا والالتهابات، ويُنتج بشكل رئيسي في غابات الصنوبر والتنوب.
راي عازار: استخراج العسل من رحيق “المنّ”!
لا يقتصر دور النحل على إنتاج العسل، بل يؤدّي دوراً جوهرياً في تلقيح الأشجار المثمرة مثل الحمضيات، الليمون، والخوخ، ما يزيد من إنتاجيتها ويعزّز التنوّع البيئي. كما يساهم في نشر حبوب اللقاح التي تتمتع بفوائد غذائية وصحية كبيرة، تصل إلى أكثر من 10000 فائدة للجسم.
الشاب اللبناني الخبير في عالم النحل راي عازار من بلدة الفريكة في جبل لبنان، يتقن تربية النحل واستخراج العسل من رحيق “المنّ” (ندوة العسل) عبر قفران تعطي إنتاجها لمرة واحدة في العام. عسل المنّ يختلف عن عسل الأزهار، ويُنتج من إفرازات الحشرات على الأشجار وليس من رحيق الزهور مباشرة.
يقول عازار لـ “الميادين نت” “بدأت مسيرتنا في عالم تربية النحل عام 2010، عندما كنا نتجوّل في الطبيعة ولاحظنا أسراباً من النحل بين الأشجار. حينها اكتشفنا أنّ النحل ليس مجرّد كائن صغير يجمع الرحيق، بل هو منظومة متكاملة تعمل بدقة مذهلة، تقدّم لنا الطبيعة من خلالها فوائد لا تُحصى. من هنا، نشأ لدينا شغف لدراسة هذا المجال والتعمّق فيه، فقرّرنا شراء أولى خلايا النحل، وبدأت رحلتنا في هذا العالم الفريد.
قرّرنا الالتزام بأسس طبيعية
مع مرور الوقت، بدأنا بالمشاركة في دورات تدريبية والاستفسار من المختصين عن كيفية العناية بالنحل وإدارة الخلايا. شيئاً فشيئاً، تحوّلت هذه التجربة إلى معرفة متكاملة، ما دفعنا لاحقاً إلى تنظيم دورات تدريبية داخل مؤسسات إعلامية، بالتعاون مع سفارات في لبنان. وبتفانٍ وإصرار، حصلنا على المرتبة الأولى في إحدى الدورات، مما أهلّنا لنيل شهادة متخصصة في تربية النحل، ومنذ ذلك الحين، قرّرنا الالتزام بأسس طبيعية تماماً في إنتاج العسل، بعيداً عن أيّ إضافات صناعية.
عسل السنديان الأسود أو “عسل المن”
ويوضح “على عكس بعض مربّي النحل الذين ينقلون خلاياهم بين المناطق، نحن نحرص على إبقاء خلايانا في موقعها الثابت على ارتفاع 600 متر، في قلب الطبيعة الخلّابة لمنطقة المتن، حيث تحيط بها الجبال والأنهار، ما يضمن بيئة مثالية لإنتاج عسل طبيعي عالي الجودة”.
يبدأ النحل نشاطه مع حلول الربيع، حيث تقوم الملكة بوضع البيوض، فتنمو الخلية بشكل طبيعي استعداداً لموسم الإنتاج. أما في شهر تموز/يوليو، فيبدأ موسم عسل السنديان الأسود، أو ما يُعرف بـ عسل المنّ.
“نحدّد بداية الموسم بمراقبة سلوك النمل الأسود، حيث نلاحظ صعوده على أوراق شجر السنديان لامتصاص المنّ، وهي إشارة إلى أنّ الموسم قد بدأ. وخلال هذه الفترة، يكون النحل في حالة نشاط مكثّف لجمع العسل، وتستمر هذه المرحلة من 15 إلى 20 يوماً فقط، وبعدها نقوم بفرز العسل”.
عسل الطيّون غذاء للنحل!
بعد انتهاء موسم السنديان، يأتي موسم الطيّون، وهو نوع آخر من العسل، لكننا لا نحصد هذا المحصول بل نتركه للنحل ليكون غذاءً طبيعياً له خلال فصل الشتاء، ما يعزّز مناعته ويُغنيه عن التغذية الصناعية. بهذه الطريقة، نحافظ على صحة النحل ونضمن استمرار دورة الإنتاج بطريقة مستدامة.
ولدى عازار وفريقه برنامج صارم للعناية بالنحل، حيث يقوم بفحص الخلايا كلّ شهرين أو ثلاثة، للتأكّد من عدم إصابتها بـ طفيلي الفاروا، وهو من أكثر المشكلات التي تواجه النحل. ولحماية خلايانا، ونحن نستخدم فقط مواد طبيعية للعلاج، مثل الزعتر، والليمون، والزيتون، والميرمية.
وهذه الطرق الطبيعية تحافظ على جودة العسل، وتضمن إنتاجاً نقياً خالياً من أيّ تدخّلات كيميائية قد تؤثّر على قيمته الغذائية.
عسل طبيعي ونقاء مضمون
“العمل في تربية النحل ليس مجرّد مهنة، بل هو شغف نابع من إيماننا بأهمية الطبيعة”.. يقولها عازار بحماسة ويعقّب ” نحن نحرص على إنتاج عسل نقي 100%، من دون أيّ إضافات صناعية أو تغذية اصطناعية. فلا نقوم بخلط أنواع العسل، بل ننتج كلّ نوع بشكلٍ منفصل، وفقاً لدورة طبيعية متكاملة. ونتيجة لذلك، يثق الجميع بجودة العسل الذي نقدّمه، وغالباً ما يتمّ بيع المحصول بالكامل فور فرزه، نظراً للطلب العالي عليه”.
ويشرح أنه ” في بعض السنوات يكون الإنتاج وفيراً، وأحياناً يكون قليلاً، وفقاً للعوامل الطبيعية مثل المناخ والتغيّرات البيئية. لكننا نرفض اللجوء إلى أساليب غير طبيعية لزيادة الإنتاج، لأننا نؤمن بأنّ جودة العسل أهمّ من كمّيته”.
“الغذاء الملكي” و”صمغ النحل”!
إلى جانب العسل، يقوم النحل بإنتاج “الغذاء الملكي” أو “رويال جيلي”، وهو مادة طبيعية تُستخدم لتعزيز المناعة وعلاج الأمراض المزمنة مثل السرطان. هذا الغذاء الفريد هو السر وراء طول عمر ملكة النحل، حيث تعيش نحو 6 سنوات وتضع يومياً ما يقارب 2000 بيضة، بينما تعيش النحلة العاملة لمدة 40 يوماً فقط.
يحرص الشباب على استخراج الغذاء الملكي بأدوات معقّمة ونظيفة، لضمان أعلى درجات الجودة. كما بدأنا مؤخراً في جمع “البروبوليس”، وهو مضاد حيوي طبيعي يُستخدم في صناعة الأدوية والعلاجات المختلفة.
و”البروبوليس” (أو العكبر/صمغ النحل) هو مادة صمغية طبيعية يجمعها النحل من براعم الأشجار، يستخدمها لتعقيم الخلية؛ سدّ الشقوق، وتحنيط الكائنات الغازية. يتميّز بخصائص قوية مضادة للبكتيريا، الفيروسات، والفطريات، ومضاد للالتهابات. يُستخدم طبياً لعلاج قروح الفم، الجروح، الحروق، وتعزيز المناعة، ويحتوي على أكثر من 300 مركّب نشط.
إنتاج العسل بمفهوم مستدام
وعازار ضمن عمله الدؤوب يرفض “الممارسات الخاطئة التي تعتمد في جنيّ العسل مصادر متعددة على مدار العام، مثل الحمضيات، الأكدينيا، السنديان، والشوكيات، لأنّ ذلك يؤدي إلى تداخل غير صحي في تركيب العسل ويؤثر على جودته. بدلاً من ذلك، يلتزم بإنتاج طبيعي داخل المحمية، حيث نجني عسل السنديان فقط، محافظين على نقاء المنتج وجودته”.
الخلطات الطبية والعلاجية
إلى جانب العسل النقي، يقوم بإعداد خلطات عسل علاجية، تعتمد على دراسات علمية دقيقة. هذه الخلطات تُستخدم لأغراض متعددة، مثل تعزيز الطاقة، تقوية المناعة، وتحسين الصحة العامة. لا يقوم بخلط العسل عشوائياً، بل نعمل وفق وصفات مدروسة تضمن تحقيق الفوائد الصحية المرجوة.
حبّه للنحل يتجاوز كونه مجرّد عمل، فهو التزام بالحفاظ على البيئة وإنتاج العسل وفق أعلى معايير الجودة. كما يعمل بضمير وشفافية، ويسعى دائماً لتقديم عسل نقي خالٍ من أيّ تدخّلات صناعية. وهو يؤمن بأنّ الطبيعة تقدّم لنا كنوزاً عظيمة، وعلينا احترامها والعمل بتناغم معها، لا استغلالها.
دعوة لاكتشاف عالم النحل
ويضيف بأنه يؤمن بأهمية نشر الوعي حول هذا المجال، ويشارك الزوّار التجربة ليريهم كيف تعيش النحلة، وكيف تعمل بجدّ لإنتاج قطرة العسل. كما “يفتح المجال للجميع لزيارة المنحل، والتعرّف إلى عالم النحل عن قرب”.
منذ انطلاق رحلته عام 2010، وهو يسير بخطى ثابتة في عالم تربية النحل، معتمداً على أساليب طبيعية وتقنيات متطوّرة. هدفه تقديم أفضل أنواع العسل، مع الحفاظ على صحة النحل والبيئة. كما يدعو الجميع لاكتشاف هذا العالم الرائع، والاستفادة من فوائد العسل الطبيعي الجمّة.
