الإعلامي الدكتور عبد الله ذبيان
عرفته مارداً ومناضلاً.. من ثرى الجنوب المضمّخ بالتضحيات والمزنّر بالوفاء للوطن… كل الوطن.
أعوام مضت على آخر لقاء لي بالأديب مصطفى سبيتي في تحفة الفنان التشكيلي الموهوب الصديق غاندي بو ذياب “متحف الفنون” في الجاهلية الشوف، وفي ذلك الوقت المتأخر من الليل كان لي شرف الغبّ من معينه، لدى مرافقته لي مع عائلتي من الجاهلية إلى بيروت..
سادنٌ لجمالٍ مشتبكٍ بالواقع
كفرصير، في جنوب الوطن الحبيب، حيثُ الشقيفُ يرمقُ نهرَ الليطاني بعينِ العاشق والمقاوم، أطلَّ مصطفى سبيتي. لم يكن مجرد شاعر يغازل البلاغة، ولا أديباً يتخيرُ لطيفَ الحرف، بل كان سادناً لجمالٍ مشتبكٍ بالواقع، وحارساً لنارِ الكلمة التي لا تُطفئها العواصف.
ينساب أسلوبه الشعري والأدبي عبر محطات مكثفة:
• القصيدة الثائرة: يكتبُ مصطفى سبيتي بريشةٍ مُعبَّأةٍ برائحةِ الأرض والتراب الجنوبي؛ فالكلمةُ عنده موقف، والبيتُ الشعريُّ خندقٌ للحرية، يُتقنُ صياغةَ الألمِ القومي والوطني دون أن يفقدَ النصُّ جلالَهُ الفنيَّ وأناقتَهُ اللغوية.
• النضال بالكلمة: عاشَ الأديبُ حاملاً همَّ الإنسانِ والمحرومين، ممزوجاً بوعيٍ ثقافيّ حيّ تجلّى في كتاباته ومواقفِه، فصارَ اسمه مرادفاً للوفاء لقرى الجنوب وتاريخها النابض بالكرامة.
• إرث الوفاء والأصالة : تتوارثُ الكلمةَ في داره جيناتُ الإبداع، حيثُ تقفُ كريمتُه الإعلامية والشاعرية لوركا سبيتي شاهدةً على امتداد هذه الشجرةِ الطيبة، يُزهرُ في أثوابها الوعيُ الوطني والجمالُ الفكري.
رحلةُ سبيتي ليست مجرد دواوينَ وكلمات، بل هي سيرةُ رجلٍ غرسَ روحَهُ في تراب الجنوب، ليبقى شعره شرفةً تطلُّ منها الأجيالُ على معنى أن تكونَ أديباً، إنساناً، ومناضلاً لا يساوم.
مهرجان حبّ ووفاء.. بشامون تحتضن الجنوب
وفي أمسية تعبق بأريج الجنوب المضمّخ بأصالة الكلمة ووهج النضال، احتضنت دارة الأستاذ الأديب عصمت حسان في بشامون جبل لبنان، “منتدى شواطئ الأدب”، كعادتها، لقاءً استثنائياً لتكريم الشاعر والأديب والمناضل ابن بلدة كفرصير الجنوبية، مصطفى سبيتي؛ ذلك السنديان الأدبي الذي حمل الجرح والقصيدة في كفّ، والوطن في الكف الأخرى.
شهدت الاحتفالية حضور نخبة من قامات الفكر والأدب والفن، حيث تلاقت القوافي والرؤى تحت سقف الاحتفاء بمسيرة حافلة بالعطاء:
• الأصوات الشعرية والإعلامية الرائدة من لبنان صدحت.. فبعد كلمة ترحيبية مؤثرة لصاحب الدار عصمت حسان، شارك الشاعر عبد الغني طليس والشاعر والإعلامي زاهي وهبي بكلمات وقصائد لامست روح المحتفى به، إلى جانب الشاعرة حنان فرفور والشاعر حبيب يونس، متناولين سيرة سبيتي النضالية والأدبية.
• حضور ممثل شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز الشيخ سامي أبي المنى، والرسالة المعبّرة من القلب للنائب علي فياض، كذلك مشاركة وكلمة مدير عام وزارة الثقافة النشط والواعد علي الصمد التي أثرت اللقاء، وهو قدّم درعاً للمكرّم مع الأديب حسان.
• الريشة والوفاء: أضفى الفنان التشكيلي علي شحرور لمسة فنية ساحرة بتقديمه لوحة بورتريه شخصية للمكرّم، جسّدت بضربات ريشته ملامح وجهٍ نحته الشعر وعركته الأيام.
• حضور الابنة والإعلامية: زاد اللقاء ألقاً حضور كريمته الإعلامية الوطنية المميزة لوركا سبيتي، التي شكلت بحضورها امتداداً لإرث فكري وإعلامي يحمل نبل الرسالة وأصالة الكلمة.
أصداء النضال وحسّ الكلمة
لم يكن التكريم مجرد احتفاء برجل أدب، بل كان تحية لنهج وقضية؛ لمصطفى سبيتي الذي كتب بالدمع والضوء تاريخاً من مواجهة الظلم، وظل صوته صدىً لقرى الجنوب الشامخة وللإنسان المطالب بحريته وكرامته.
التفّ الحضور الجنوبي الجبلي اللبناني الحاشد الواجد مع أهالي كفرصير الأبية والمثقفين والفنانين ولإعلاميين والناشطين والمحبين، حول سبيتي واستحضر الحاضرون محطات من تاريخ سبيتي الحافل، مؤكدين أن منتدى شواطئ الأدب ودارة عصمت حسان يستكملان عبر هذه المبادرات نسج الذاكرة الثقافية والوطنية للبنان، وربط الجبل بالجنوب في وثيقة حب ووفاء تجسد المعنى الحقيقي للثقافة المشتبكة مع قضايا الناس.




