مبادرة “Revive Baladna” تفتح مساحة لأطفال مراكز الإيواء للتعبير بالفن، وأحلاهم حاضرة في كل لوحة.

IMG 0579.jpg 2 scaled e1782331808718
باشرت جمعية “تطوير بلدنا” تنفيذ سلسلة من الأنشطة التفاعلية للأطفال ضمن مبادرة “Revive Baladna”، بالتعاون مع منظمة Education Unbound، والهادفة إلى دعم الأطفال النازحين وتوفير مساحات آمنة لهم للتعبير عن مشاعرهم من خلال الفن والأنشطة الإبداعية.
وتقف خلف مبادرة “Revive Baladna” الفنانة التشكيلية والباحثة في الدراسات متعددة التخصصات في جامعة تكساس في دالاس، رويدا شجاع حمدان (Rowayda Shoujah Hamdan)، والتي أطلقتها انطلاقًا من إيمانها بأن الفن ليس رفاهية، بل أداة لقياس الصحة النفسية ودعمها. وتسعى حمدان، من خلال أبحاثها في مجال علم أعصاب الفنون (NeuroArts) الذي يجمع بين علوم الأعصاب والفنون، إلى إيصال الفن إلى المجتمعات الأكثر حاجة، ولا سيما الأطفال الذين نادرًا ما تتاح لهم فرص مماثلة، محوّلةً الممارسة الفنية إلى وسيلة علمية وإنسانية للتعافي النفسي والاجتماعي.

محطات المبادرة ونشاط ثانوية بعقلين
وكانت المبادرة قد نُفِّذت سابقًا في عدد من البلدات ضمن قضاء عاليه، أما في منطقة الشوف فانطلقت من ثانوية بعقلين الرسمية التي تُستخدم حاليًا كمركز إيواء رسمي، على أن تُستكمل خلال الفترة المقبلة في عدد من مراكز الإيواء في بيروت، ضمن خطة تهدف إلى الوصول إلى أكبر عدد ممكن من الأطفال. وقد استفاد من المبادرة حتى الآن نحو 200 طفل في مختلف محطاتها.
وأقيم النشاط في ثانوية بعقلين الرسمية يوم الجمعة الواقع في 29 أيار 2026، بمشاركة 35 طفلاً، ضمن جلسة امتدت قرابة ساعتين وتخللتها أنشطة رسم وتعبير فني؛ حيث رسم كل طفل لوحته الخاصة، قبل أن يجتمع الأطفال لإنجاز لوحة جماعية عكست أفكارهم وأحلامهم وتطلعاتهم.

قياس “التدفق الذهني” وأثر الفن علميًا
تترافق المبادرة مع دراسة ميدانية تهدف إلى فهم حالة “التدفق الذهني” (Flow State) لدى الأطفال أثناء مشاركتهم في الأنشطة الإبداعية. وتستند هذه الدراسة إلى أبحاث NeuroArts التي تدرس تأثير الفنون على الصحة النفسية والدماغ، وتعتمد على ممارسات إبداعية منظمة تهدف إلى الحد من المشاعر السلبية وتعزيز الطاقة الإيجابية، ومساعدة الأطفال على الوصول إلى حالة من التركيز والانخراط العميق.
ولا تقتصر المبادرة على تنظيم الأنشطة الفنية فحسب، بل تُقاس خلالها مستويات “التدفق الذهني” لدى الأطفال قبل كل جلسة وبعدها باستخدام استبيانات صُمِّمت خصيصًا لهذه الفئة العمرية، تقيس مؤشرات مثل: التركيز، والانغماس في النشاط، والمشاعر الإيجابية. وتهدف الدراسة إلى فهم مدى مساهمة الممارسات الإبداعية المنظمة في التخفيف من آثار التوتر والصدمات النفسية لدى الأطفال النازحين، وبناء أدلة علمية قابلة للقياس تدعم دمج الفنون ضمن برامج الدعم النفسي والاجتماعي.

أحلام الطفولة تجسدها الرسومات

ولُوحظ خلال النشاط أن معظم الأطفال اختاروا رسم “البيت” عندما طُلِب منهم التعبير عن أحلامهم. ومن بين الأطفال الذين فقدوا منازلهم أو اضطروا إلى مغادرتها، بدا الحنين إلى المنزل والاستقرار القاسم المشترك في العديد من الرسومات. كما حملت بعض اللوحات مشاهد للطبيعة والقرى والحدائق، في تعبير واضح عن التمسك بالأماكن التي يحبونها ويتمنون العودة إليها.
ومن بين الأعمال التي استوقفت الحاضرين لوحة حملت عنوان “أمل”، جسّدت فيها إحدى المشاركات لبنان الأخضر النابض بالحياة إلى جانب لبنان الجريح الذي أنهكته الأزمات، في رسالة عبّرت من خلالها عن أمنيتها بعودة السلام والاستقرار، وعودة الأطفال إلى منازلهم وحياتهم الطبيعية.
لاقت مبادرة “Revive Baladna” صدى إيجابيًا واسعًا لدى الأطفال والأهالي الذين رأوا فيها فرصة مهمة للتخفيف من الضغوط النفسية التي يعيشها أبناؤهم، ومنحهم مساحة للتعبير عن مشاعرهم بطريقة آمنة وإبداعية.

ختام النشاط وشكر الداعمين
وفي ختام النشاط، وُزِّعت على الأطفال “حقائب التعافي الإبداعي” (Creative Recovery Kits)، التي تضم أدوات للرسم والتلوين وأنشطة فنية متنوعة، بهدف تمكينهم من مواصلة التعبير عن أفكارهم ومشاعرهم خارج إطار الجلسات المنظمة، وتعزيز الأثر النفسي الإيجابي للمبادرة على المدى الطويل.
كما توجهت جمعية “تطوير بلدنا” بالشكر إلى جميع المتبرعين والداعمين من الخارج الذين ساهموا في إنجاح هذه المبادرة من خلال Education Unbound، مؤكدين أن مساهماتهم كان لها دور أساسي في توفير الأنشطة والمواد الفنية للأطفال.
وتسعى الجمعية، من خلال هذه المبادرة، إلى استدامة مساحات الدعم النفسي والاجتماعي، وتحويل الفن إلى أداة فاعلة لإعادة زرع الابتسامة والأمل في نفوس الأطفال المتأثرين بالأزمات، بالتوازي مع بناء معرفة علمية رصينة تدعم هذا التوجه.